كنت أعيش في مدينة تعز، وسط مجتمع أنهكته سنوات الصراع وتراكمت فيه الخلافات وسوء الفهم بين الأطراف. كنت أعمل مع الشباب وأشارك في مبادرات مجتمعية، لكنني كنت أرى أن الحماس وحده لا يكفي لصناعة السلام، وأن بعض الخلافات تصبح أكثر تعقيدًا عندما لا يجد الناس من يستمع إليهم بإنصاف.
منذ انضمامي إلى فريق شباب الوساطة في فبراير 2025، بدأت أشارك في تقييم النزاعات ميدانيًا، وتيسير الحوار، والتواصل مع السلطات والقيادات المجتمعية لدعم الحلول السلمية. وفي إحدى التجارب، كنت أمام توتر مجتمعي يهدد بتوسيع فجوة عدم الثقة بين أطراف محلية. كانت الأحاديث مشحونة، وكل طرف مقتنعًا بأنه لم يُسمع كما ينبغي.
بدأت بمحاولة فهم الخلاف قبل التفكير في حله. استمعت إلى الأطراف بصورة منفصلة، وحرصنا على أن يحصل كل طرف على فرصة متساوية لشرح موقفه واحتياجاته ومخاوفه. لم أبدأ بسؤال: من المخطئ؟ بل سألت: ما الذي حدث؟ وما الذي يحتاج إليه كل طرف حتى يصبح الحوار ممكنًا؟
بعد ذلك، ساهمت في تهيئة مساحة للحوار تقوم على الاحترام وعدم المقاطعة. ومع استمرار النقاش، بدأ الحديث ينتقل تدريجيًا من الاتهامات إلى المصالح المشتركة. وجاءت اللحظة التي لن أنساها عندما بدأ أحد الأطراف يستمع فعلًا بدلًا من الاستعداد للرد. عندها أدركت أن مهمة الوسيط ليست فرض حل جاهز، بل مساعدة الأطراف على بناء مسار يستطيعون السير فيه معًا.
لم تكن المهمة سهلة. كان بناء الثقة هو الجزء الأصعب، خصوصًا في بيئة يشعر فيها كل طرف بأنه المتضرر. لكنني تعلمت ألا أقيس نجاح الوساطة بسرعة الوصول إلى اتفاق فقط، بل بقدرتنا على إبقاء باب التواصل مفتوحًا، ومساعدة الأطراف على الانتقال خطوة نحو الفهم. كنت أذكر نفسي دائمًا: «لست هنا لأختار طرفًا، بل لأحمي مساحة يستطيع فيها الجميع أن يتحدثوا ويستمعوا دون خوف.»
غيرتني الوساطة قبل أن أسهم في تغيير الآخرين. أصبحت أستمع أكثر، وأحكم أقل، وأبحث عن المساحات المشتركة حتى عندما تبدو محدودة. كما أدركت أن وجود الشباب في مساحات الوساطة يقدم صورة مختلفة عن دورهم؛ فهم ليسوا مجرد متلقين لنتائج السلام، بل شركاء قادرون على بناء الثقة وتقريب وجهات النظر.
رسالتي لكل شاب هي: لا تنتظر فرصة لصناعة السلام؛ اصنع مساحة للحوار، وكن الجسر الذي يعبر عليه الآخرون نحو التفاهم.
حين نمتلك شجاعة الإصغاء، ينتصر الحوار ويبدأ السلام.